June 14, 2010

هل سنشعر بالحنين ذاته؟

الحنين هو السأم القديم ذاته ، و قد ارتدى ثوبا جديدا .
كلما خرجنا من مرحلة عمرية و ودعناها فإننا في البداية نشعر بالتحرر من كثير من جهلنا و مخاوفنا غير المبررة ، و لكن مسؤوليات ، و متطلبات العالم من حولنا تفجؤنا و حتى تفجعنا أحيانا ، فنحن إلى الماضي بارتياحه و هناءته ، خاصة و أنه يخلو من المسؤوليات الجديدة التي ألقيت على عاتقنا ، و من التوقعات الاجتماعية التي تثقل أرواحنا ، حتى تئن أرواحنا من هذا الثقل ، دون أن نتصور قدرتنا على التحرر منها ، نظرا لأن وقت التحرر قد فات على أية حال.
إننا سئمون بما نحن عليه في حاضرنا ، و لكن بدلا من أن نسعى ليكون حاضرنا هذا الذي لا نملك غيره أجمل ، و أكثر إدهاشا ، فإننا نلعنه في داخلنا و نرتد إلى أيام كنا فيها أسعد و أرخى ، أو هكذا نظن.
إننا ننسى ، كيف أننا و نحن أطفال قد تشوقنا لندخل المدرسة ، و حين كنا في الثانوية كيف تعجلنا قيادة السيارة و حين كنا طلابا جامعيين ، كنا نفكر في العمل والدخل المستقل ، و حين توظفنا ، أصبح جل تفكيرنا هو في التقاعد ، و حين تقاعدنا أصبحنا نرتد إلى أيام طفولتنا و نقول ليتنا ، ما كبرنا!
أتذكر جيدا كيف كان جداي رحمهما الله يتحدثان عن ماضيهما المشترك حين كانا يعيشان في منطقة المرقاب ، حينما نزور هذه المنطقة من العاصمة ، يأخذهما الحنين بعيدا في ذكريات طريفة تجعلني ، و أنا الطفلة أو المراهقة ، أتمنى لو كنت أعيش معهما أيام المرقاب و لياليها السحرية العامرة . إنني أتخيلها جميلة ، الكويت في تلك الأيام ، أجمل منها اليوم ، ففي الأمس كانت الجارة ترحب بجارتها في المرقاب في معظم الأوقات ، بدون مواعيد ، و أما جارة اليوم في العديلية أو الشامية أو الفيحاء ، فهي تطالب بأن تكون الزيارة بموعد. كنت أسمع جدتي تتذمر من أن هذا الأمر قد تغير ، و أتساءل في داخلي إن كان لجدتي _رحمها الله _ أي دور في صنع الكويت الحديثة بكل عاداتها المتغيرة . لقد كانت جدتي فعلا شابة قبل ثلاثين و أربعين عاما حين بدأت الأمور تتغير بسرعة. اليوم أنا في العشرين ، و يرعبني أن كل شيء يتغير بسرعة ، هي عاشت زمنا تغيرت فيه جغرافية و ديموغرافية الكويت تغيرا هائلا ، البيوت ثمنت ، و الناس خرجوا خارج السور ، و حدثت أمور كانت حتى خارج قدرتها على المواكبة ،و ربما تكيفت مع كونها من جيل لم يتسلح بالعلم الكافي ، ليواكب كل ما هو جديد. لم تكن جدتي رائدة في بناء بلدها ، و لكنها كانت مشاركة بالرضا و الموافقة و المسايرة و المحاكاة ، و التكيف والحنين .
أتساءل ، إن كنا سنشعر بالحنين ذاته عند تقدمنا بالسن إلى الرميثية و العديلية و الفيحاء ، و أم الهيمان. إذا كنا سنتحسر على الزمان الذي قامت فيه المدونات بحملة ارحل ، و كان هناك مجلس أمة يوصم مرة بأنه بصام ، و مرة أخرى بأنه انبطاحي ، و هل ستصبح ساحة الإرادة رمزا لممارسة حكم الشعب للشعب بالشعب ، و التي قد يصفها البعض مجازا شوارعية ؟ هل سنشعر بالسأم ذاته ، و نهرب بالحنين إلى زمن كنا نكتب كلماته و تساؤلاته بلوحات مفاتيحنا؟

6 comments:

النــوخذه said...

شكراً على البوست الجميل .


اتمنى تشرفني بمدونتي

http://alm7mal.wordpress.com/

Yang said...

جميل ...

هذا هو ثمن الحضارة



تحياتي

Safeed said...

الحنين إلى الماضي سببه الخوف من المستقبل .. أو ربما يكون عدم القدرة على تقبله

يعتبر الماضي بالنسبة لنا مكشوفا، نعرف كل خباياه، وتعاملنا مع كل ما واجهنا بس .. بينما الحاضر نعيشه الآن بكافة توتراته وضغوطاته، والمستقبل مجهول لا نعلم عنه شيئا

ونحن غالبا نفضل التعامل مع عدو نعرفه بدلا من التعامل مع عدو نجهله

نعم سنشعر بالحنين ذاته، رغم أننا نتذمر من الحاضر، ولكن القادم بقضاياه سيجعلنا نفضل الرجوع الى قضايا تآلفنا معها بدلا من قضايا جديدة

موضوع ذو صلة

شكرا

Black Honey said...

النوخذة العزيز ، يبدو لي أن مدونتك رائعة من الجمل الأولى
شكرا على مرورك و دعوتك

Black Honey said...

العزيز يانغ
أهلا بك ، هل الحضارة مخيفة ؟ أعني تغييراتها؟

Black Honey said...

نعم ، نعم ، نعم ، و أنا معك فيما قلت . في الماضي كنت أنكر أن الماضي كان نقيا ، طبعا حين أزن الأمور بعقلي ، و ذلك لأن الحاضر الذي نعيشه هو نتاج هذا الماضي على الأقل من ناحية الأفكار ، و لكنني لم أفكر كثيرا في احتمالية أن يكون الحاضر أفضل من الماضي ، و الحقيقة أن الكثير من التصرفات الوحشية البربرية تنسب إلى نظرة و قيم بدائية ، لا تعكس الحضارة التي وصل إليها الإنسان بفضل طموحاته و أحلامه ،فكأن الإنسان في حوار دائم ساخن بين بربريته ، و إنسانيته ، بين ماضي مجازر هولاكو ، و حاضر حقوق الإنسان